فضائل شهر رمضان
شهر رمضان فرصة لاسترضاء الرحمن
الخطبة الأولى:
الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا للإيمان ، وأتم علينا نعمة الإسلام، أحمده - تعالى- وأشكره، وأثني عليه وأستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ للهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ، ونصَح الأمةَ، وجاهَد في الله حقَّ جهاده، حتى أتاه اليقينُ من ربه، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، وَمَنْ سار على نهجهم واقتفى أثرَهم، واستنَّ بسُنَّتِهم إلى يوم الدين.
أيها المؤمنون:ــ
أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي جماع الخير كله، وعليكم بالصبر والمصابرة، والجِدِّ والمثابرة، وتذكروا بأن الدنيا أيام معدودة، وأنفاس محدودة، لا يدري أحدُنا متى الرحيل، فلنستعدَّ يا عباد الله، ما دام في العمر فسحة، ولنتذكر بأن الموت يأتي على حين غفلة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران: 102).... (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء1) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) الأحزاب(70، 71) . أما بعد: فإن القرآنَ أحسنُ الحديثِ والكلامِ، والدِّينُ عندَ اللهِ الإسلامُ، واحسن الهدى، هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الامور محدثاتها وكل محدثة بدعه وكل بدعة ضلاله وكل ضلالة في النار أعاذنا الله واياكم من البدع والضلالات والنار
أيها المؤمنون :
هنيئًا لأمة الإسلام، أمة محمدٍ -عليه الصلاة والسلام- بمقدَم شهر الخيرات والبركات وتنوع العطايا والهبات؛ هنيئًا لنا ثم هنيئا بمقدم شهر القرآن ، وإنه تعالى فضل شهر رمضان على سائر الشهور وأختصه بنزول القرآن الكريم. قال ربنا سبحانه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) وفي الحديث القدسي (قال الله تعالى الصوم لي وأنا أجزي به ) وهو الركن الذي أتم الله به الدين وفتح به أبواب الرحمة والجنان وحثنا صلى الله عليه وسلم بحُسن استقبال شهر رمضان، والعمل على مجاهدة النفس فيه على المسابقة في الخيرات والتنافس في الطاعات، والإقبال على رب الأرض والسماوات، رجاء رحمته وخوف عذابه، رواه الترمذي في سننه وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ وَ يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ" .أيها المؤمنون: تأملوا في هذه الخصائص ما أعظمها، وتأملوا في هذه المناقب ما أجلَّها؛: الأولى عباد الله: أن الشياطين تُصفَّد في شهر رمضان؛ ومعنى ذلك أنها تُسلسل وتُقيد فلا تستطيع الخلوص إلى ما كانت تخلص إليه في غير رمضان، ولهذا ذكر العلماء أن حظ العبد في رمضان في سلامته ووقايته من كيد الشيطان، بحسب حظه من الصيام؛ فكلما كان الصيام أكمل وأتم، كان ذلك أعظم وقايةً له من الشيطان. والفضيلة الثانية والثالثة مما ورد في هذا الحديث، أن أبواب الجنة تفتح فلا يُغلق منها باب، وأنّ أبواب النار تغلق فلا يُفتح منها باب. والفضيلة الرابعة: أن مناديًا وهو ملَك من ملائكة لله يُكل إليه هذه المهمة، ينادي كل ليلة من ليالي رمضان: "يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ وَ يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ" .اي أن الناس على قسمين: قسم نفوسهم تريد الخير وتتحراه وتطلبه وتبحث عنه. وقسم آخر نفوسهم - والعياذ بالله- تريد الشر وتتحراه وتبحث عنه وتطلبه، وللقسم الأول يأتي النداء: "يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ". وللقسم الثاني يأتي النداء الآخر: "يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ". وكل إنسان يُفتش عن نفسه في رغباتها و ميولاتها؛ فإن كانت راغبة في الخير مقبلة عليه حريصة على فعله، فليحمد ربه على منِّه وتوفيقه،. وإذا كانت نفسه من القسم الآخر نفسًا رديئة فعليه أن يلومها وأن يعاتبها، وأن يحرص على زمِّها بزمام الخير، أما الفضيلة الخامسة -أيها المؤمنون-: فإن لله- تبارك وتعالى- عتقاء من النار وذلك في كل ليلة من ليالي رمضان، ألا ما أعظمها والله من مكرمة! وما أجلها من هبة وعطية. نعم -عباد الله-: إن لله - جل وعلا- عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة من ليالي رمضان؛ فعليك - يا عبد الله- أن تتحرى هذا الخير العظيم، وأن تتخذ من الأسباب والوسائل ما يكون سببًا لعتقك من النار؛ وذلك بعظيم رجائك في الله، وحُسن إقبالك على الله، وصدقك معهُ في عبادته وإخلاصك لهُ، وحسن اتباعك لرسولهُ - صلوات الله وسلامه عليه-.أيها المؤمنون: إننا نستقبل موسمًا عظيما، وشهرًا كريما؛ تنوَّعت خيراته، وتعدَّدت ما لله فيه من العطايا والهبات؛ فلنغنم شهرنا من أول لحظاته، ولنجاهد أنفسنا على حسن الطاعة لله -جل وعلا- فيه، وأعظم الناس أجرا في رمضان وغيره أكثرهم لله ذكرا، وأعظمهم إقبالًا على الله، وأعظمهم عناية بتحقيق تقوى الله - معاشر المسلمين :
ماهي إلا أيام ، ويهل علينا شهر رمضان، سيأتي بين أيديكم بليالي شريفة، وأياما فاضلة ، فما من يوم إلا ولله فيه وظيفة من وظائف طاعته، ولطيفة من لطائف رحمته، يوفِّق اللهُ - تعالى- فيه مَنْ يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم، وهو - سبحانه- الغفور الرحيم، ، كان يبشِّر بمقدمه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-، ففي (مسند الإمام أحمد)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهو يبشر أصحابَه-: (( قد جاءكم رمضانُ، شهر مبارك افترض اللهُ عليكم صيامَه، تُفَتَّح فيه أبوابُ الجنة، وتغلَّق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه الشياطينُ، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، مَنْ حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ )) وقال ابن رجب - رحمه الله-: ( هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضِهم بعضًا بشهر رمضان، كيف لا يبشَّر المؤمنُ بفتح أبواب الجنان؟! كيف لا يبشَّر المذنبُ بغلق أبواب النيران؟! كيف لا يبشَّر العاقلُ بوقت يُغَلُّ فيه الشياطينُ؟! الصوم طهارة للنفوس والأرواح ، حتى تسمو إلى آفاقها العليا وسمائها التي هبطت منها، فيكون الصائم كالملك يمشي على الأرض ،أثمرت فيه تعاليم الإسلام، و الصيام وهذبه القران فخشعت منه جوارحه وعف لسانه عن ما حرم الله.
إن شهر رمضان - يا عباد الله- هو شهر الصيام والقيام والقرآن والإحسان، اجتمعت فيه فضائلُ الأعمال؛ فالصيام والقرآن، يشفعانِ للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: "أَيْ ربِّ، منعتُه الطعامَ والشهواتِ بالنهار فشَفِّعْني فيه، ويقول القرآنُ: منعتُه النومَ بالليل فشَفِّعْني فيه"، و(في الصحيحين) أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:(( مَنْ صامَ رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه))، ولقد تكفَّل اللهُ - تعالى- بأجر الصائم لنفسه؛ فجاء في صحيح البخاري: (( كلُّ عمل ابن آدم يضاعَف، الحسنةُ بعشر أمثالِها إلى سبعمائة ضِعْف، قال الله -عز وجل-: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يَدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجلي)).إنه شهر عظيم، وموسم كريم، تَستغفر فيه الملائكة للصائمينَ حتى يُفطروا، وللصائم فيه فرحتان؛ إذا أفطَر فَرِحَ بفطره، وإذا لقي ربه فَرِحَ بصومه، ويُزَيِّن اللهُ -عز وجل- فيه كلَّ يوم جنَّتَه، ثم يقول: "يُوشِكُ عبادي الصالحون أن يُلقُوا عنهم المؤونةَ والأذى ويصيروا إليكِ"، فتقترب فيه القلوبُ من خالقها، وتصفو فيه النفوسُ لبارئها، وفيه العشر الأواخر الفاضلات النيرات، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
عباد الله :ــ
من فضائل شهر رمضان : أن مَنْ قام مع إمامه حتى ينصرف كُتِبَ له قيامُ ليلة كاملة، ولله - تعالى- فيه عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة، فرَغِمَ أنفُ ثم رَغِمَ أنفُ ثم رَغِمَ أنفُ امرئ أدركه رمضانُ فلم يُغفر له، وللصائم في رمضان دعوات لا ترد، وساعات الإجابة فيه كثيرة، فأكثِروا فيه من الدعاء، فقد ذكَر سبحانَه وبين آيات الصيام قربَه من عباده المؤمنين، وإجابتَه دعوة الداعين، فقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[الْبَقَرَةِ: 186]، وفي (مسند الإمام أحمد) قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (( ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم )). وأبواب الخير يا عباد الله في رمضان كثيرة؛ فمَنْ فَطَّرَ صائمًا ولو بتمرة كان له مثل أجره غيرَ أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا، وأفضل الصدقة صدقة في رمضان، فمن خاف يوم الحساب فليُطعم جوعة مسكين، وليسُدَّ خلةَ أرملة ويتيم، حيث وصفهم الله في كتابه فقال (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا)[الْإِنْسَانِ: 8-12].
أيها الإخوة المؤمنون:
إن شهر رمضان من أعظم مواسم التقوى، فالصيام جُنَّة؛ أَيْ حِصن حصين عن الفحش والمحرَّمات، وافتتح الربُّ - جل جلاله- آياتِ الصيام بالتقوى، واختَتَمَها بالتقوى، فالتقوى خير زاد، ولباسها خير لباس، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)[الطَّلَاقِ: 2-3]، وقد خصَّ اللهُ - تعالى- أهلَ التقوى بمعيته، وتفضَّلَ عليهم - سبحانه- بمحبته، قال ربنا سبحانه (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 76]، قال قتادة: (( مَنْ يتقِ اللهَ يَكُنْ معه، وَمَنْ يكن اللهُ معه فمَعَه الفئةُ التي لا تُغلب، والحارسُ الذي لا ينام، والهادي الذي لا يَضِلُّ )). وأهل التقوى هم الأعلون في الآخرة والأولى، قال تعالى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[الْقَصَصِ: 83].
وبالتقوى - معاشر المؤمنين - تتحقق السعادةُ الأبديةُ في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فيها ما لا عين رأت ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله عز وجل (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[يُونُسَ: 62-64].
أيها المسلمون: إن شهر رمضان فرصة لاسترضاء الرحمن، والاستقامة على صراطه والاستعداد للقائه، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، فتَزَوَّدُا فإن خير الزاد التقوى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الْبَقَرَةِ: 183].
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسُّنَّة، ونفَعَنا وايكم بما فيه من الآيات والذكر والحكمة، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، الحمد لله الذي تفضَّل علينا بشهر رمضان، وأنزَل فيه القرآنَ هدًى للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعينَ، وَمَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد معاشر المؤمنين:
إن من مقاصد الصيام تربية النفس على الطاعة وتزكيتها بالبعد عن المعصية، وكما يمنع المسلمُ نفسَه عن بعض المباحات حال الصيام، فمن باب أولى يمنع نفسه عن الحرام، فليس الصيام مجرد امتناع عن الطعام، بل هو شهر يُثمر الإيمانَ والعملَ الصالحَ، فمن لم يدع قولَ الزور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجة أن يدع طعامَه وشرابَه، ولقد كان نبينا - صلوات ربي وسلامه عليه- أجود ما يكون بالخير في رمضان بكل خصال الخير، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل -عليه السلام- يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يُعرض على النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- القرآنَ، فإذا لَقِيَهُ جبريلُ -عليه السلام- كان أجودَ بالخير من الريح المرسَلة" (رواه البخاري، ومسلم). فلقراءة القرآن مزية في رمضان، فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بتدبُّر وتفكُّر، كما قال ابن القيم - رحمه الله-: "فإنه يُورِثُ جميعَ الصفاتِ المحمودة التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة والتي بها فساد القلب وهلاكه، فلو عَلِمَ الناسُ ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها".
وفي (مسند الإمام أحمد) أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قام ليلة كاملة، بآية واحدة، يركع بها ويسجد، يتلوها ويرددها حتى الصباح، (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الْمَائِدَةِ: 118]، وهذه الصِّدِّيقة - رضي الله عنها- وعن أبيها قال عنها ابن أخيها: "غدوتُ عليها يومًا فإذا هي قائمة تصلي وتقرأ: (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَ وَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) [الطُّورِ: 26-28]، تُرَدِّدُ الآياتِ وتدعو، وتستعيذ وتبكي، قال: فقمتُ حتى مللتُ القيامَ، فذهبتُ إلى السوق لحاجتي ثم رجعتُ فإذا هي قائمة تصلي وتبكي؛ فيا أيها المُخبِتُونَ، هذه هي أيام الخير قد أقبَلَتْ، ومواسم البذل قد أَطَلَّتْ فاستَبِقوا الخيراتِ، واعمُروا أوقاتَكم بالقُرُبات، وتزوَّدوا من الطاعات، وأخلِصوا فيها لربكم، وحقِّقُوا فيها المتابَعة لرسولكم.
ثم اعلموا - معاشر المؤمنين- أن الله قد أمرَكم بأمر كريم، ابتدأ فيه بنفسه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» (رواه النسائي وصححه الألباني) اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعينَ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوكَ وكرمكَ وجودكَ يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزةَ الدينِ، واجعل هذا البلدَ آمِنًا مطمئنًا، رخاءً سخاءً وسائرَ بلاد المسلمين اللهم يا حيُّ يا قيوم برحمتك نستغيث، أَصْلِحْ لنا شأنَنا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْنَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوء فرد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه يا قوي يا عزيز، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم آمِنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين لما تحبه وترضاه، . اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسر أمورنا، اللهم بلغنا رمضان ،اللهم أَعِنَّا فيه على الصلاة والصيام والقيام وقراءة القرآن، اللهم سلمنا لرمضان وسلمه لنا حتى ينقضي وقد غفرتَ لنا ورحمتَنا وعفوتَ عنا، اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من الهالكين، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، عباد الله ان الله يأمركم بثلاث وينهاكم عن ثلاث (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ النحل:(90) فاذكروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنَعون

إرسال تعليق