الاستمرار في الطاعات وفضل ليلة القدر والعشر الاواخر
الخطبة الأولى:
الحمد لله ،الحمد لله الذي مَنَّ على عباده بمواسم الخيرات؛ ليتزوَّدُوا فيها من القُرُبات والأعمال الصالحات، ليغفِرَ لهم الذنوبَ ويُجزِلَ لهم الهباتِ، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادة من نزه ربهُ عن الشرك ونفى، وأقر له بالوحدانية مُعترفاَ ، ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ،بشيرا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا..
أيها المؤمنون أُوصِيكُم ونفسِي بتقوَى الله، فاتَّقُوه حقَّ التقوَى، واستمسِكُوا من الإسلام بالعُروة الوُثقَى، واحذَرُوا المعاصِي؛ فإنَّ أقدامَكم على النَّار لا تَقوَى ،قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران: 102).... (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء1) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) الأحزاب(70، 71) أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار،
أيها المؤمنون عباد الله :
الغنيمةَ الغنيمةَ، والبدارَ البدارَ، بادروا أعماركم بأعمالكم، وحققوا أقوالكم بأفعالكم، فإن حقيقة عمر الإنسان ما أمضاه في طاعة الله، والكيِّس مَنْ دان نفَسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَنْ أَتْبَعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأمانِيَّ:
إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا *** فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونْ
وَلَا تَغْفُلْ عَنِ الْإِحْسَانِ فِيهَا *** فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونْ
إن شهركم الكريم ،قد أخذ في النقص والاضمحلال، وشارفت لياليه وأيامه على الثلث الأخير منه، فتداركوا ما بقي منه بصالح الأعمال، وبادروا بالتوبة لذي العظمة والجلال، فيا وحي المفرطين، و يا حسرة الخائبين، و يا مصيبة الغافلين، روى جابر بن عبدالله أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رقِي المنبرَ ، فلمَّا رقِي الدَّرجةَ الأولَى ، قال : آمين ، ثمَّ رقِي الثَّانيةَ ، فقال : آمين ، ثمَّ رقِي الثَّالثةَ فقال : آمين ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ ! سمِعناك تقولُ آمين ثلاثَ مرَّاتٍ ، قال : لمَّا رقِيتُ الدَّرجةَ الأولَى جاءني جبريلُ فقال : شَقِي عبدٌ أدرك رمضانَ فانسلخ منه ولم يُغفرْ له فقلتُ : آمين ، ثمَّ قال : شَقِي عبدٌ أدرك والدَيْه أو أحدَهما فلم يُدخِلاه الجنَّةَ فقلتُ آمين ، ثمَّ قال : شَقِي عبدٌ ذُكِرتَ عنده فلم يُصلِّ عليك فقلتُ : آمين ". فما ظنُّك - أخي المُبارك - بدُعاءٍ يدعُو به جبريلُ - عليه السلام -، ويُؤمِّنُ عليه خليلُ ربِّ العالمين؟! فيا أيها المُؤمنون: هذا أوانُ التوبة ، والأَوبَة والانكِسار، فمَن لم يتُب في شهر رمضان، فمتى يتُوب؟! ومَن لم يرجِع عن الذُّنوبِ والخطايَا في شهر الغُفران، فمتى يرجِع ويَؤُوب؟! ومَن لم يتعرَّض لنَفَحات أرحَم الراحمين في شهر الرَّحمات، فمتى يتعرَّضُ لذلك؟! روَى الطبرانيُّ بسنَدٍ حسنٍ، عن أنس بن مالكٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «افعَلُوا الخيرَ دهرَكم، وتعرَّضُوا لنَفَحات رحمةِ لله؛ فإن لله نفَحَاتٍ من رحمته يُصيبُ بها مَن يشاءُ مِن عبادِه».
أيها المؤمنون عباد الله : الأعمال بالخواتيم، فاجتهدوا فما هي إلا أيام معدودات، وإن العشر الأواخر أمامكم أفضل الأوقات وأعظم مواسم الخير والطاعات، وأحرى وأجدر بالجد والقربات، ولئن كانت الطاعة في سائر أيام هذا الشهر المبارك فضيلة، فهي في العشر الأواخر منه أعظم فضلا، وأرفع قدرا وأجزل أجرا، فهي عشر إقالة العثرات، وتكفير السيئات، واستجابة الدعوات؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، وكان إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان شد مئزره، وأحيا ليله وأيقظ أهله، فاحرصوا عليها، فإنها مغنم عظيم، فهنيئا لمن ربح فيها وفاز بخيرها وفضلها.
أيها المؤمنون عباد الله : ففي العشر الأواخر ليلة خير من ألف شهر، تنزل فيها الرحمات، وتستجاب الدعوات، وتكفَّر الخطيئات، وتغفر الزلات، من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن فرط فيه وحرم خيرها فهو الملوم المحروم، إنها ليلة القدر، مطلب المؤمنين، ورجاء الصالحين، وأمنية المتقين، فيها تكتب المقادير ويفرق كل أمر حكيم، فاحرصوا على قيامها، واجتهدوا في تحريها، وجدوا في طلبها، وتضرعوا إلى الله فيها، فهي والله الغنيمة الباردة، العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر. وحريٌّ بمن التمسها ألا يخيب، والله ذو الفضل العظيم . إنَّ ممَّا يتجلَّى في أحكام الصوم في رمضان، والحِكَم العظيمة التي يهدف إليها الصيام؛ اليُسْرَ والسماحةَ التي بُنِيَ عليها دينُ الإسلام، كما هو في سائر فرائض الدِّين وواجباته ، مع تحقيقِ العبوديةِ لربِّ البريةِ، ومراعاةِ المصالحِ الشرعيةِ، والمسلمُ - حقًّا- مَنْ كان على بيِّنة من أمره، يعرف هُويتَه وهدفَه الذي يجب أن يحقِّقَه في حياته؛ فهو موحِّدٌ لله، عابدٌ له، مخلِصٌ له الدينَ، مستسلِمٌ خاضعٌ لربه، منقادٌ له بالطاعة، مجيبٌ لدعوته، مستقيمٌ على شِرْعَتِه، وفقَ ما أراد اللهُ، فلا ينحرف عن الجادَّة بغلوٍّ أو جفاءٍ، وهذه الأوصاف والخصائص تنتظم كلَّ مسلم موحِّد لَزِمَ دينَ الإسلام الذي ارتضاه اللهُ لنا، ولا يَقبل من أحدٍ سواه؛ كما قال تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[الْمَائِدَةِ: 3]، وقال جلَّ شأنُه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 85]، وهو دين الوسط في كل الأمور؛ عقيدةً وشريعةً وآدابًا وأخلاقًا. أمَّا عن هدف المسلم في الحياة؛ فقد بيَّنَه اللهُ - جلَّ في علاه- بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذَّارِيَاتِ: 56]، فينحصر الهدفُ الذي خَلَقَ اللهُ الخلقَ من أجله، هو العبـادة لله وحده. فالصيام فرصة سانحة لتربية النفس على قوة الإرادة وتقوية وازع الإيمان؛ فالعبد يقهر نفسه، ويصبر على الجوع والعطش والشهوة، وفي هذا ترويض للنفس على ترك مألوفاتها؛ ، أوصى أبو ذر - رضي الله عنه- أصحابه يومًا فقال: "إن سفر القيامة طويل، فخُذوا ما يصلحكم، وصُوموا يومًا شديد الحر لحر يوم النشور، وصلُّوا ركعتين في ظلمة الليل، لظلمة القبور، وتصدَّقوا بصدقة السر ليوم العسر".
معاشر المسلمين :
إنه لا شيء على الإطلاق أنفع للعبد ،من إقباله على الله، وانشغاله بذِكْره، وتنعُّمِه بحبِّه، وإيثاره لمرضاته، بل لا حياة له ولا نعيم، ولا سرور ولا بهجة إلَّا بذلك، فالحذرَ الحذرَ -عباد الله- من الغفلة والإعراض عن لله - تعالى-، بل علينا أن نَجِدَّ ونجتهدَ؛ فنُرِيَ اللهَ من أنفسنا خيرًا في هذه الأيام والليالي المبارَكة، ونُقبِلَ على التوبة النصوح، ونتعرَّضَ لنفحات لله ، ونَضرِبَ بسهمٍ في كل عمل صالح مستطاع، وأن نُكثِر من ذكر لله، ونحافظ على الصلوات المفروضة، ولا نفرِّطَ فيها أو نكسلَ عنها، ونحرصَ على الصدقة وبَذْل المعروف والمساهَمة في أوجُه الخير، والمشارَكة في أبواب البِرِّ؛ ولْنَسْعَ في قضاء حوائج المحتاجين، وتفقُّد أحوال المساكين، فرمضان موسم المتصدقين، وفرصة سانحة للباذلين والمعطين، استثمارًا لما بَقِيَ من أيام شهرنا، يقول الشافعي - رحمه الله-: "أحب للرجل الزيادة بالجود في رمضان؛ اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغُل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم"، ولْنُبَادِرْ -عباد الله- بنفع غيرنا بكل أنواع النفع، وأعظمُه دلالتُهم على الخير ونصحهم، ويدخل فيه: تعليم الجاهل، وإرشاد الضال، ووعظ العاصي، وتنبيه الغافل وتذكير الناسي، وأَوْلَى الناسِ بالنفع والإفادة وإسداءِ المعروف رعيةُ المرء، فتعاهَدُوا -عباد الله- أهليكم وأبناءكم وبناتكم، ومَنْ تحتَ أيديكم بالإحسان إليهم والنصح والتوجيه والسعي في استصلاحهم، وأَمْرِهم بالمعروف، ونهيِهم عن المنكر، مع الرِّفْق واللِّين، وإشعارهم بمحبتكم، والإشفاق عليهم، وحضِّهم على فِعْل الخير واغتنام الأوقات والبُعْد عن المفاسد والمنكَرات، وتحذيرهم من رفقاء السوء، والعلاقات المحرَّمة، والقنوات والمواقِع والمنتديات غير النافعة، التي تعود عليهم بانحرافات عقدية، وفكرية، وسلوكية، وأضرار أخلاقية، وتربوية، واجتماعية.
أيها المؤمنون عباد الله :
إن مما يعكِّر صفوَ رمضان، ويُذهِب روحانيَّتَه ويمحو أثرَ العبادة ،إضاعةَ الأوقات في أيامه ولياليه، بالمعاصي والتوافه والملهِيات والمسلسلات ، فإطلاقُ اللسان بالكلام المحرَّم، والاستماعُ إلى الحرام، والنظرُ إلى الحرام، كلُّ ذلك يؤدِّي إلى مضرَّةِ قلبِ العبدِ وفسادِه ، فيا من دَعَتْه نفسُه لاقتراف السيئات، في شهر المغفرة وتكفير السيئات، اتقِ اللهَ ربَّكَ، واستحِي من نظره إليك، فلا تَعْصِه وتخالف أمره، يا عبد الله، يا من وقع أسير شهواته، يا من عصى الله في خلواته، يا من أيام عمره معدودة، وأنفاسه محدودة، يا كثير التفريط في قليل البضاعة، يا شديد الإسراف يا قوي الإضاعة: ، اقطع حبائل التسويف، وهُبُّ من نومة الرَّدَى، وأفق من رقدة الهوى، وامحي سوابق العصيان بلواحق الإحسان،، أدرِكْ نفسَكَ، وأعلِنِ التوبةَ عن تلك الآثام هذه الساعة. أقبِل على الله بتوبةٍ نصوح، وإنابةٍ صادقة، وإرادةٍ جازمة، وقلبٍ مُنكسِرة، والتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له. عباد الله: الاعتكاف سُنَّة، ولكنه في رمضان أحب، وفي عشره الأواخر آكد، فعن عائشة - رضي الله عنها- قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله -عز وجل-، ثم اعتكف أزواجه من بعده". وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأواخر من رمضان". فمن أستطاع منكم الاعتكاف فليفعل. فلاعتكاف لزوم المسجد للعبادة، وحبس النفس عن الشهوات والملذات والإعراض عن الدنيا ، والاستئناس بمناجاة الله - سبحانه-، والعزلة والانقطاع عن المخالطة واللغو والعبث، ومحاسبة النفس وتجديد العهد مع الله، وصقل القلب وتطهيره مما قد تشبث منه من درن هذه الحياة، وقد شرع الله - تعالى- الاعتكاف في المساجد وأمر بتهيئتها لذلك فقال: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)[الْبَقَرَةِ: 125].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[الْقَدْرِ: 1-5].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد معاشر المسلمين:
بالأمسِ القريبِ ابتهَجَت قلوبُنا بدخُول شهر رمضان، وها هو اليوم قد انقَضَى منه شَطرُه، واكتَمَلَ بدرُه، وما هو إلا كما قال الله - عزَّ وجل -: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 184]، تُصامُ تِباعًا، وتنقَضِي سِراعًا. فتزوَّدُوا - يا عباد الله -؛ فإنَّ خيرَ الزاد التقوَى. كُنَّا بالأمس القريب نستقبل رمضان بالبهجة والسرور، وقد أسرعت الأيام حتى ذهب أكثره وقد أحسن أنَاسٌ في الأيام الماضية فصاموا النهار وقاموا الليل، وقرأوا القرآن، وتصدقوا وأحسنوا، وتركوا المعاصي والسيئات، فلهم الأجر العظيم، والثواب الكبير، وعليهم المزيد في الباقي من أيام رمضان المبارك، وقد أساء آخرون فأخلُّوا بالصيام، وتركوا القيام، وسهروا الليالي الطوال على قيل وقال، وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وهجروا القرآن، وبخلوا بأموالهم، لكن الله تعالى ذو الفضل العظيم والإحسان العميم، يقبل التوبة ويعفو عن السيئات لمن تاب وأناب، وقد جعل سبحانه العشر الأواخر من رمضان فرصة لمن أحسن في أول الشهر أن يزاد، ولمن أساء أن يستدرك ما فاته؛ ويغتنم هذه الأيام العشر في الطاعات وما يقربه من الله تعالى، نعم عباد الله لليلة القدر لها خصائص وفضائل منها:
• الفضيلة الأولى: نزول القرآن في العشر الأواخر من رمضان، في ليلة القدر، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [6]. وقال عز وجل: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ﴾[7]. وهذا من أعظم فضائل العشر: أن الله أنزل هذا النور المبين فأخرج به من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى نور العلم والإيمان.
الفضيلة الثانية: في هذه الليلة يفرق كل أمر حكيم، أي يُفصل من اللوح المحفوظ ما هو كائن في السنة: من الأرزاق، والآجال، والخير والشر.
الفضيلة الثالثة: ما يدل عليه الاستفهام من التعظيم لهذه الليلة في قوله سبحانه: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾.
الفضيلة الرابعة: أن هذه الليلة مباركة ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾.
الفضيلة الخامسة: أن هذه الليلة خير من ألف شهر.
الفضيلة السادسة: تتنزل الملائكة فيها، والروح وهو جبريل؛ لكثرة بركتها، وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة.
الفضيلة السابعة: أن هذه الليلة سلام حتى مطلع الفجر؛ لكثرة السلامة فيها من العقاب، والعذاب، بما يقوم به العبد من طاعة الله عز وجل.
الفضيلة الثامنة: أن من قامها إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه.
الفضيلة التاسعة: أن من أدركها واجتهد فيها ابتغاء مرضاة الله فقد أدرك الخير كله، ومن حرمها فقد حُرِم الخير كله،
الفضيلة العاشرة: أن الله أنزل في فضلها سورة كاملة تُتلى إلى يوم القيامة: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾.
عباد الله : إن شهرُ الرحمةِ والخيرِ والبركةِ والغُفران، شهرُ ضياءِ المساجِد وذِكرِ الرحمن ، مَن صامَ نهارَه إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبِه، ومَن قامَ ليلَه إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبِه، فيه ليلةٌ هي خيرٌ مِن ألف شهر، مَن قامَها إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبِه.
عباد الله : المساجدُ بيوتُ للهِ في الأرض ،فاعرفوا لها حقها، وتأدبوا بآدابها، واحفظوا لها مكانتها وفضلها، فإنما بُنيت للعبادة، فالتزموا فيها بالسَّكِينَة والوقار، فلا تتخذوها للعب والمزاح والضحك ، ولا تؤذوا المصلين فيها، فإن في ذلك تعطيلا لهم عن العبادة، وإزعاجًا وتشويشًا على خشوعهم. جئتُم إلى بيوت لله للعبادة والانقطاع عن الدنيا ،والإقبال على الآخرة، فأقبِلوا على الله بقلب منيب واجف، وتضرعوا إليه بِذُلّ وخضوع وانكسار، وإياكم والمعوقات، إياكم والانشغال ، إياكم والقيل والقال، احفظوا للمساجد حرمتها. نسأل الله - تعالى- أن يغفر لنا ذنوبنا كلها، وأن يتجاوز عن زلاتنا، وأن يوفقنا جميعًا لطاعته وطاعة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرَكم الله بالصلاة والسلام عليه فقال - عزَّ مِن قائِلٍ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].وقال صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» (رواه النسائي وصححه الألباني) اللهم صَلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله، . اللهُمَّ ارضَ عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلِيّ، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واذل الكفرة والملحدين ، اللهم ادفع عنا الغلاء والوبأ ،والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ومن درك الشقاء، وسوء القضاء وشماتة الأعداء، اللهم إنا نسألك الجنة، وما قرَّب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل، اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من الهالكين ، الله سقيا رحمه لا سقيا عذاب اللهم تقبل منا الصيام والقيام، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، يا رب العالمين، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، عباد الله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ النحل:(90) فاذكروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنَعون .

إرسال تعليق