(شهر رمضان شهر القران)
خطبة الجمعة مقتبسة من خطب الشيح عبدالله البعيجان ألقاها والدي في مسجد قريتنا
الخطبة الأولى :
الحمد لله، الحمد لله الذي أختص شهر رمضان، بفضيلة الصيامَ من بين سائر الشهور، وجعَلَه بابًا من أبواب الجنة دار السلام، وجعَل رضاه وسيلةً للفوز بجنَّاتِه، أحمده - تعالى- وأشكره، وأثني عليه وأستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ للهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ حقٍّ وصِدقٍ وإيمان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيهُ من خلقه وخليلهُ، بلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ، ونصَح الأمةَ، وجاهَد في الله حقَّ جهاده، حتى أتاه اليقينُ من ربه، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، وَمَنْ سار على نهجهم واقتفى أثرَهم، واستنَّ بسُنَّتِهم إلى يوم الدين.
اوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل . فاتقوا اللهَ عبادَ الله، وكونوا بحبلِ الله معتصمين، وبكتابِه مستمسكين، وعليكم بالصبر والمصابرة، والجِدِّ والمثابرة، وتذكروا بأن الدنيا أيام معدودة، وأنفاس محدودة، لا يدري أحدُنا متى الرحيل، فلنستعدَّ يا عباد الله، ما دام في العمر فسحة، ولنتذكر بأن الموت يأتي على حين غفلة ، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران: 102).... (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء1) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) الأحزاب(70، 71) . أما بعد: فإن خيرَ الحديثِ كلامُ اللهِ، واحسن الهدى، هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعه، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله واياكم من البدع والضلالات والنار
أيها المؤمنون : طاعةُ اللهِ خيرُ مغنَمٍ ومكسَبٍ، ورضاه خير ربح ومطلب، والجنة حفت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)[آلِ عِمْرَانَ: 185]. أيها الصائمون: تقبَّل اللهُ طاعتَكم، وأصلَح حالَكم، ووفَّقَكم لصيام والقيام بهذا الشهر المبارك، وكتَب لكم الثباتَ على طاعته، في هذا الشهر وسائرَ أيامِ الدهرِ.
معاشرَ المسلمينَ: رمضانُ شهرُ عبادةٍ وتوبةٍ، شهرُ تقرُّبٍ وأوبةٍ، شهرُ توبةٍ ورجوعٍ، وإخلاصٍ وخشوعٍ، وسجودٍ وركوعٍ، شهرُ صيامٍ وقيامٍ، شهرُ برٍّ وإحسانٍ، وتلاوةٍ للقرآنِ. أيها الصائمون: للعبادة المقبولة أثرٌ في الإيمان، فأثرُها في القلب والجَنان، إصلاحُ النيةِ وتزكيةُ النفوسِ والتقوى، والإخلاصُ والخشوعُ لله الأعلى، وأثرُها في الجوارح والأركان، أي الكفُّ عن المعاصي والمحرَّماتِ، والمثابَرةُ على فِعْل الخير والطاعات، فراقِبوا اللهَ في أعمالكم؛ فإن اللهَ لا ينظر إلى صُوَرِكم ولا إلى أجسامِكم، ولكِنْ ينظُر إلى قلوبِكم وأعمالِكم.
معاشرَ المؤمنين: شرَعَ اللهُ صومَ رمضان، وفرَضَه عليكم لا للجُوع والعطَش، ولا للظَّمأ والنَّصَب، ولكن (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)؛ فالتقوَى غايَةٌ مطلُوبةٌ، و« رُبَّ صائِمٍ ليس له مِن صَومِه إلا الجُوعُ والعطَشُ، وقائِمٍ ليس له مِن قيامِه إلا التَّعَبُ والسَّهَر»، و« مَن لم يَدَع قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةً في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه ».« والصَّومُ جُنَّةٌ، فإذا كان يومُ صَومِ أحدِكم فلا يرفُث ولا يَصخَب، فإن سابَه أحدٌ أو قاتَلَه فليَقُل: إنِّي امرُؤٌ صائِمٌ». فلا يتِمُّ التقرُّبُ إلى الله تعالى بتَرك هذه الشَّهَوات المُباحَة في حالةِ الصيام إلا مع التقرُّبِ إليه بتَركِ ما حرَّم - سبحانه -؛ الصَّومُ مِن أفضلِ القُرُبات، وأجَلِّ الطاعات، وأعظمِ المَثُوبات، وهو عبادةُ الصابِرين، وزادُ المُتَّقين، وذُخرٌ للفائِزِين، أجرُه كبيرٌ، وخَيرُه كثيرٌ، ونَفعُه ليس له نَظيرٌ، شِفاءٌ للأسقام، وصِحَّةٌ وقُوَّةٌ ودواءٌ للنُّفوسِ والأجسَام، وتربيةٌ للبدَن، وفَوقَ هذا طاعةٌ للربِّ، ومغفِرةٌ للذنبِ، فصُومُوا رمضان وصُونُوه، واتَّقُوا اللهَ واعلَمُوا أنَّكم مُلاقُوه .
معاشرَ المسلمينَ: إنَّ اللهَ قد أنزَل القرآنَ في شهر رمضان فقال ربنا سبحانه : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)[الْبَقَرَةِ: 185]، فقراءةُ القرآنِ في شهر نزولِه من أفضلِ القُرُباتِ، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يُقبِل على قراءة القرآن في رمضان، وكان يأتيه جبريلُ في كل ليلة فيُدارِسُه القرآنَ، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريلُ، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارِسُه القرآنَ، فلَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريلُ أجودَ بالخير من الريح المرسَلَة"(رواه البخاري).
فعليكم -عبادَ اللهِ- بقراءة القرآن، عليكم بقراءة القرآن، رَتِّلُوهُ وجَوِّدُوهُ، تفهَّمُوا معانِيَه وتدبَّرُوه، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَرَأَ حرفًا من كتاب الله فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقول: الم حرف، ولكِنْ أَلِفٌ حرفٌ، ولَامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ"(رواه الترمذيُّ وصحَّحَه)، وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "يقال لقارئِ القرآنِ يومَ القيامةِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كما كنتَ تُرَتِّلُ في الدنيا؛ فإنَّ منزلَتَكَ عندَ آخِرِ آيةٍ تقرؤها"(رواه الترمذي)، فاقرؤوا القرآنَ -عبادَ الله- ولا تهجروه، إيَّاكم ومقاطعةَ القرآن، إيَّاكم ونسيانَ القرآن؛ فإن ذلك حسرةٌ وندامةٌ، وانتكاسٌ ومَلامَةٌ،
عبادَ اللهِ: القرآنُ أعظمُ ذِكْرٍ لله -عز وجل-، وتركُ قراءتِه هجرٌ له وإعراضٌ عنه، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)[طه: 124-126]، وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "مَثَلُ المؤمنِ الذي يقرأ القرآنَ مثلُ الُأُتْرُجَّةِ؛ ريحُها طيبٌ وطعمُها طيبٌ، وَمَثَلُ المؤمنِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مَثَلُ التمرةِ؛ لا ريحَ لها وطعمُها حُلْوٌ، وَمَثَلُ المنافقِ الذي يقرأ القرآنَ مثلُ الريحانةِ؛ ريحُها طيبٌ وطعمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المنافقِ الذي لا يقرأُ القرآنَ كَمَثَلِ الحنظلةِ؛ ليس لها ريحٌ وطعمُها مُرٌّ"(متفق عليه). وقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم، يحرصون على قراءةِ القرآنِ وسماعِه وتدبُّرِه، ولهم أورادٌ يوميةٌ لا يَفْتُرُونَ عنها، خصوصًا في هذا الشهر وغيرة، فاحرِصوا على كثرة تلاوته، ولا تُزَاحِمْهُ بالأجهزةُ والبرامجُ الملهيةُ.
عبادَ اللهِ: وأنتُم في هذه الظروف التَمِسُوا الدواءَ والاستشفاءَ بقراءةِ القرآنِ؛ فإنه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنينَ، اعتَكِفوا عليه في بيوتكم وفي خلواتكم و جلواتكم، اقرؤوه واسمَعُوه في سائر أوقاتكم، ومَنْ شَقَّ أو تعذَّر عليه قراءةُ القرآن، فليستمِعْ إلى قراءتِه وتلاوتِه؛ عبر الاجهزة الحديثة ،فإن المستمعَ شريكٌ للقارئ في الأجر والثواب، واللهُ يقولُ: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الْأَعْرَافِ: 204].
عباد الله: حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وَزِنُوا أعمالَكم قبلَ أن تُوزَنَ، وقبل أن يُنادَى عليكم، "إنَّما هي أعمالُكم أُحصِيها لكم، ثم أُوَفِّيكم إيَّاها، فمَنْ وَجَدَ خيرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، ومَنْ وَجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَه"، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزَّلْزَلَةِ: 7-8].
عبادَ اللهِ: قيامُ الليلِ قُرْبَةٌ لا يحافِظ عليها إلا المؤمنونَ، وسُنَّةٌ لا يَصبِر عليها إلا المتقون، الذين يبيتون لربهم سُجَّدًا وقِيَامًا، الذين قال الله فيهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[السَّجْدَةِ: 16-17]، الذين مجَّدَهُم اللهُ فقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الذَّارِيَاتِ: 15-18].
عبادَ اللهِ: وقتُ التهجدِ من الليل أفضلُ أوقاتِ القُرَبِ، قال تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا)[الْمُزَّمِّلِ: 6]، وهو وقتٌ يَنزِلُ اللهُ فيه إلى سماء الدنيا ينادي: "هل مِنْ داعٍ فأستجيبَ له؟ هل مِنْ مستغفرٍ فأغفرَ له؟ هل مِنْ تائبٍ فأتوبَ عليه؟"، وهو وقتٌ تُفَتَّح فيه أبوابُ السماءِ، ويستجاب فيه الدعاءُ، وأعظمُ قُرْبَةٍ يتقرَّب بها المؤمنُ في هذا الوقت. قراءةُ القرآنِ والصلاةُ، وأقربُ ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجِدٌ، (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)[الزُّمَرِ: 9].
معاشرَ المسلمينَ: وأفضلُ القيامِ قيامُ رمضانَ؛ فهو من آكَدِ السُّنَنِ، ومِنْ أفضلِ النوافلِ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومَنْ قام ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه"، وعن عروة بن الزبير - رضي الله عنه- أن أمَّ المؤمنينَ عائشةَ - رضي الله عنها- أخبرَتْه أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- خرَج من جوف الليل فصلَّى في المسجد، فصلَّى رجالٌ بصلاته، فأصبَح الناسُ يتحدثون بذلك؛ فاجتمع أكثرُ منهم، فخرَج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- في الليلة الثانية، فصلَّوْا بصلاتِه، فأصبح الناسُ يذكرون ذلك، فكَثُرَ أهلُ المسجد من الليلة الثالثة، فخرَج فصَلَّوْا بصلاتِه، فلمَّا كانت الليلة الرابعة عجَز المسجدُ عن أهله، فلم يخرج إليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-، فَطَفِقَ رجالٌ منهم يقولون: الصلاةَ الصلاةَ، فلم يخرج إليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-، حتى خرَج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجرَ أقبل على الناس ثم تشهَّد فقال: أما بعدُ، فإنَّه لم يَخْفَ عليَّ شأنُكم الليلةَ، ولكني خشيتُ أن تُفرَض عليكم صلاةُ الليلِ فتعجَزُوا عنها"(رواه مسلم)، فكان الناس بعد ذلك يُصَلُّونَ أوزاعًا وفُرَادَى، حتى جاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- فجَمَعَهم على قارئٍ واحدٍ، فعن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ أنه قال: "خرجتُ مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- في رمضان إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرِّقونَ، يصلِّي الرجلُ لنفسه، ويصلِّي الرجلُ ويصلِّي بصلاتِه الرهطُ، فقال عمرُ: واللهِ إني لَأراني لو جمعتُ هؤلاء على قارئٍ واحدٍ لكانَ أَمْثَلَ، فجمَعَهم على أُبَيِّ بنِ كعبٍ".
وبعدُ عبادَ اللهِ: فمَن كان نيتُه صادقةً في العزم على الصلاة والقيام، وتعذَّر عليه ذلك بمرض ً أو حال دونَه أمرٌ فصلَّى في بيته، فإن أجرَه تامٌّ مكتوبٌ له إن شاء الله، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: "وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"، ويقول: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا"، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- لَمَّا دنا من المدينة رَاجِعًا من غزوة تبوك: "إنَّ بالمدينةِ أقوامًا ما سرتُم مسيرًا، ولا قطعتُم واديًا، إلَّا شَرَكُوكُمْ في الأجر. قالوا: يا رسولَ اللهِ: وَهُمْ بالمدينةِ؟ قال: وَهُمْ بالمدينةِ؛ حبَسَهم العذرُ"، فهنيئًا لمن حبسهم العذرُ، أجزَل اللهُ لهم العطيةَ وأتمَّ الأجرَ، وهنيئًا لمَن صدَقُوا للهَ في العزم والنيات، فرَفَع لهم الدرجاتِ، وحطَّ عنهم الخطيئاتِ، وهنيئًا لمَن كتَب اللهُ لهم أجرَ العمل الصالح، بِصِدْقِ نِيَّاتِهِمْ ولم تفعله منهم الجوارحُ. أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن يمنَّ علينا أجمعين بتعظيم القرآن، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيمَ لي ولكم من كل ذنب ،فاستغفِرُوه وتوبوا اليه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله ،الحمد لله على توفيقه وإحسانه، والشكر له على وافر عطائه وامتنانه، الحمد لله الذي هدانا للإسلام، أشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، صاحبُ النهجِ الرشيدِ، والخُلُقِ العظيمِ، اللهم صلِّ ، على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، صلاةً دائمةً إلى يوم الوعيد.
ايها المؤمنون عباد الله : اتقوا الله في السر والعلن، والزموا القرآن والسُّنَن، وذرُوا الفواحش ما ظهَر منها وما بطَن، واحذروا الشهوات والشبهات وأسباب الفتن، لعل الله أن يردَّ عنكم البلاء والمحن.
عباد الله : إن الله قد خص شهركم هذا المبارك، وجعَلهُ ركنُ من أركان الدين، تبادَلوا التهنئة بشهركم هذا، فإنها تزيد المودة، وتوثِّق الإخاء والمحبة، وتراحموا فيما بينكم، إرحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في السماء، هذا شهر القرآن، شهر العفو والصفح والمسامَحة، فمن أراد من الله العفو والمغفرة، فليعفُ وليصفَحْ عن الناس؛ فإن الجزاء من جنس العمل، قال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)[النُّورِ: 22]، فاعفوا عمَّن ظلَم، وتجاوزوا عمن أساء، هذا شهر بِر وإحسان، فأحسِنوا كما أحسَن الله إليكم، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 148]، هذا شهر الصلة والمودة، فصِلُوا مَنْ قطَعَكم، وأعطُوا مَنْ حرَمَكم، هذا شهر كريم، فاستوصوا بضعفائكم خيرًا، وأحسِنوا إلى فقرائكم، واتقوا الله وأصلِحوا ذاتَ بينكم، وجدِّدوا علاقة المحبة والألفة بينَكم، فلا يؤمِن أحدُكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
معاشر المسلمين: إن الله اصطفى لكم الإسلام فلا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، فاحرِصوا على أساسه وأركانه، فقد بُني على خمس: "شهادة ألَّا إلهَ إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"، احرِصوا على الإيمان؛ فهو الأساس والمبنى،، وهو الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخِر، وبالقَدَر خيره وشره. احرصوا على مراقَبة الله في كل زمان ومكان؛ فهي حقيقة الإحسان؛ أن تَعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراكَ.
عبادَ الله: شُدُّو المِئزَرَ، وإيَّاكم والتسويف، فهي أيامٌ معدُودة، وساعاتٌ محدُودة، لا مجالَ فيها للهوِ واللَّعِب، ولا مجالَ فيها للكسَلِ والخُمُول، ولا مجالَ فيها للمعاصِي والسيِّئات؛ فالأعمالُ مُضاعفَة، فعناءُ الطاعة يَفنَى، ويذهَبُ التَّعبُ والنَّصَبُ، وتبقَى لذَّتُها في الحياة، وأجرُها في الآخرة كنزٌ وذُخرٌ، ولذَّةُ المعصِيةِ تفُوتُ وتنتَهِي، ويبقَى شقاؤُها مدَى الدَّهر، وعناؤُها طُول العُمر، وفي الآخرة عِقابٌ وخُسرٌ. فأرُوا اللهَ مِن أنفسِكم خيرًا؛ فإن الشقِيَّ مَن حُرِم فيه رحمةَ لله. فيا أيها الصائمون، هذه هي أيام الخير ومواسم البذل، فاستَبِقوا الخيراتِ، واعمُروا أوقاتَكم بالقُرُبات، وتزوَّدوا من الطاعات، وأخلِصوا فيها لربكم، وحقِّقُوا فيها المتابَعة لرسولكم،
ثم اعلموا - معاشر المؤمنين- أن الله قد أمرَكم بأمر كريم، ابتدأ فيه بنفسه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» (رواه النسائي وصححه الألباني) اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعينَ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوكَ وكرمكَ وجودكَ يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزةَ الدينِ، واجعل هذا البلدَ آمِنًا مطمئنًا، رخاءً سخاءً وسائرَ بلاد المسلمين اللهم يا حيُّ يا قيوم برحمتك نستغيث، أَصْلِحْ لنا شأنَنا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْنَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوء فرد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه يا قوي يا عزيز، يا ذا الجلال والإكرام.، . اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسر أمورنا ، اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من الهالكين، اللهم أعِنَّا على الصِّيام والقِيام، اللهم أعِنَّا فيه على الصِّيام والقِيام، وقراءة القرآن، وتقبَّله منَّا يا رب العالمين. (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، وآخِرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

إرسال تعليق