U3F1ZWV6ZTI0MTE0MTMzODI3NDYwX0ZyZWUxNTIxMzI4MDc4ODE4NQ==

خطبة بعنوان التوبة والإستغفار


 خطبة بعنوان التوبة والإستغفار:ــ

خطبة مستنبطة من عددة  خطب عنوانها التوبة

الخطبة الاولى :

الحمد لله، الحمد لله الذي خلَق السمواتِ والأرضَ وجعَل الظلماتِ والنورَ، مقلِّب الأيام والشهور، ومفني الأعوام والدهور، أحمده على كل الأمور، ما تعاقبت الأيام والأعوام والشهور، نعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ للهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلـهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ،جعَل الشمسَ ضياءً والقمرَ نورًا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا،  صلى الله عليه وعلي آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان الى يوم لقائه  .

عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى؛ فتقواه زادُ الصالِحين، وأمانُ الخائِفِين واعلموا أن من لازم الاستغفار، متَّعه الله بالأمن في الحياة، والسعادة في العيش إلى الممات،  ،قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران: 102).... (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء1) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) الأحزاب(70، 71) . أما بعد: فإن القرآنَ أحسنُ الحديثِ والكلامِ، والدِّينُ عندَ اللهِ الإسلامُ، واحسن الهدى، هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الامور محدثاتها وكل محدثة بدعه وكل بدعة ضلاله وكل ضلالة في النار أعاذنا الله واياكم من البدع والضلالات والنار.

أيها المؤمنون:

ما زلنا نعيش نفحات شهر شعبان، وهي أيام وليال ترق فيها القلوب، ويكثر فيها الالتجاء إلى الله – تعالى-؛ لأنها مظنة رفعُ الأعمال إلى رب العالمين، ومطية شهر رمضان الكريم، فمن أحسن الاستقامة في هذه الأيام، جنى أطيب الثمرات في شهر الصيام. ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يخص هذا الشهر بمزيد من العناية والاهتمام، ويكثر فيه من الصيام والقيام، ومما يعين على اغتنام هذا الشهر الكريم المبادرة إلى التوبة والاستغفار، قال الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]. والتوبة واجبة على المسلم في كل وقت وحين، لكنها في مواسم الخير والرحمات أولى، وفي أزمنة القرب والطاعات أجمل وأحرى، وقد وعد الله – سبحانه- التائبين بتكفير السيئات، ودخول الجنات، وبالنور التام والنجاة من الظلمات، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم: 8]. وأخبر الله - تعالى- عن محبته للتائبين؛ تشجيعًا للعصاة والمذنبين، على التوبة لرب العالمين، قال -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222]. ومن مظاهر هذه المحبة حلم الله - تعالى- على المخطئ والعاصي، فإذا تاب وأناب فتحت له الأبواب، وفرح به الغفور التواب، قال رسول الله  - صلى الله عليه وسلم-: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة».

أيها المسلمون:

 إن الله – سبحانه- ليقبل على عبده التائب ويغار عليه، فلا يقنطن أحد من قبول توبة من تاب إليه، والتوبة النصوح هي الرجوع إلى الله - تبارك وتعالى- بترك المعاصي والندم على فعلها، والعزم الجاد على عدم العودة إليها، ورد الحقوق إلى أهلها، والتزام الأعمال الصالحة والمداومة عليها، قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: 82]، وأول مراتب التوبة الاستغفار، وهو طلب المغفرة من الله -عز وجل-، قال سبحانه: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [النساء: 109- 112].فيا من وقع في الخطايا، وظلم نفسه بالمعاصي أقبل على ربك الرحيم الغفار، بالتوبة والاستغفار، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53].وتوسل إلى الله - تعالى- بالدعاء، واطلب منه المغفرة بالرجاء، فإن عفوه أوسع من ذنوبنا، ورحمته أرجى من أعمالنا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة". عباد الله: تذكروا من سبقكم إلى دار البقاء من أهليكم وأرحامكم ومن أحسن إليكم، فأكثروا لهم الدعاء والاستغفار، فإنهم يتلقونه يوم القيامة بالفرح والاستبشار، قال - صلى الله عليه وسلم-: «إن الرجل لتُرفَع درجته في الجنة، فيقول: أنَّى هذا؟ فيقال باستغفار ولدك لك».

عباد الله:ــ ما من مصيبة تقع في الأرض على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي في البشرية كلها إلا بسبب الذنوب والمعاصي بداية من كبائرها إلى صغائرها قال الله عز وجل:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)}الشورى وقال أيضا :{فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ..(21)}غافر وقال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (41 الروم) ما أوضح الآيات وما أصرح الكلمات فلا يقع بلاء إلا بذنب ولا يُرفع بلاء إلا بتوبة وأوبة إلى الله جل وعلا؛ الذنوب يا عباد الله : تهتك العصم ، الذنوب تُنزل النقم، الذنوب تُبدل النعم، الذنوب تحبس الدعاء، الذنوب تقطع الرجاء، الذنوب تُنزلُ البلاء؛ فعلينا يا عباد الله بالاستغفار بالقول والعمل والنية فأما النية فينوي النية الصالحة الصادقة بالتوبة النصوح وترك الذنب ولا يعود له ،وأما القول فهو كثرة الاستغفار والتسبيح والذكر وتلاوة القرآن، وأما العمل فبالصدقة والصلاة والصيام وإعانة الناس وكف الأذى وبذل المعروف ،وأتبع السيئة الحسة تمحها , وخالق الناس بخلق حسن، ومن أعظم الكفارات والاستغفار بر الوالدين وأن يكون إماما بالحق دالا عليه وعلى الحديث والأثر والسنة

فيا عباد الله : من أراد الغيث فإن الاستغفار سببٌ لنزولِ الغيث من السماء، ومن يتمنى الغنى بعد الفقر فإن الاستغفار سببٌ لكثرة المال، ومن أراد البنين والأولاد فإن الاستغفار سببٌ لمجيء البنين ومن أراد جنَة ربه ورضوانه ونعيمه وجنانه، فإن الاستغفار سببٌ لدخولِ الجنة: قال ربنا سبحانه﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ( الجن ﴾. ومن فوائدِ الاستغفار - يا عباد الله - إنه يطرد الشيطان الرجيم ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {إن الشيطان قال: وعزتك يا رب! لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أجسادهم في أجسادهم، فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني}، ويقول صلى الله عليه وسلم {من أحب أن تسره صحيفته يوم القيامة فليكثر فيها من الاستغفار} وفي الحديث الأخر: {طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا} كل ذلك من أقوال رسول لله صلى الله عليه وسلم، وانظروا إلى تطبيقه العملي، يروى الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يعدون للنبي صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد سبعين مرة وفي بعض الروايات مائة مرة أنه يقول: {أستغفرك وأتوب إليك}. واستغفاره صلى الله عليه وسلم، استغفاراً لأمته..

فعليكم - يا معاشر المسلمين - بالاستغفار، أكثروا منه في بيوتكم، وعلى موائدكم وعلى فرشكم، وفي طرقكم وأسواقكم وأينما كنتم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة، ولذا قال لقمان لابنه: يا بني عوّد لسانك اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً ..  فليكن الاستغفار ماحياً للذنوب والخطايا ،محققاً للسعادة والرخاء و جالبا لخيرات الأرض و بركات السماء .فالموتُ معقُودٌ بنواصِيكُم، والدنيا تُطوَى مِن ورائِكم، ورُبَّ جِراحةٍ قَتَلَت، ورُبَّ عَثْرةٍ أهلَكَت، ورُبَّ كلِمةٍ أوبَقَت. يا عبدَ الله: هَب الدنيا في يدَيك.. ومِثلُها قد ضُمَّ إليك، فماذا يبقَى منها عند الموتِ لدَيك، الدهرُ ذُو عِبَر.. يجرِي بها قدَر.. مُلكٌ يُنزَع.. وعافِيةٌ تُرفَع.. وبلاءٌ يقَع.. وكلُّ مخلُوقٍ فإلى الفناء.. وكلُّ مُلكٍ فإلى انتِهاء. فما لِلعُيُونِ ناظِرةٌ ولا تُبصِر؟! وما لِلقلوبِ قاسِيةٌ ولا تُفكِّر؟! وما لِلنُّفُوسِ ناسِيةٌ ولا تذكُر؟! أغراهَا إنظارُها وإمهالُها.. أم بشَّرَها بالنجاةِ أعمالُها.. أم لم يتحقَّق عندها مِن الدنيا زوالُها.. أم شمَلَت الغفلةُ فاستحكَمَ على القلوبِ أقفالُها؟! يا مَن فسَحَ لنفسِهِ المُدَّة.. ومدَّ لها المُهلَة.. أنَسِيتَ أننا بشَر.. يلُفُّنا قَدَر.. ونحن في سفَر.. نمضِي إلى حُفَر.. الموتُ يشمَلُنا.. والحشرُ يجمَعُنا.. أترقُدُ يا مغرُورُ والنَّارُ تُوقَدُ *** فلا حَرُّها يُطفَى ولا الجَمرُ يخمُدُ فطُوبَى لمَن نفعَتْه التذكِرة.. وأيقَظَتْه العِظَة.. فجَدَّ ولم يغفُلْ.. وشمَّرَ ولم يغتَرَّ.. وبادَرَ ولم يُسوِّف.. وأخَذَ الحَيطَة.. وهجَرَ إخوانَ السُّوء.. وأنابَ وتابَ.... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم قلت ما سمعتم  وأستغفر الله لي ولكم من كل ذمب وخطئة، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

الحمدُ لله لا أبغِي به بدَلًا، أحمدُه وقد أنقَذَ مِن الضَّلالةِ والرَّدَى، وأرشَدَ ووفَّقَ للخير والهُدى، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له لم يتَّخِذ صاحِبةً ولا ولَدًا، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه أشرفُ متبُوعٍ وأفضلُ مُقتدَى، صلواتُ ربي وسلامُه عليه، وعلى آل بيتِه الطيبين الطاهِرين، وعلى أصحابِه الغُرِّ الميامِين، والتابِعِين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

عباد الله : المؤمنُ ليس معصومًا من الخطيئة، وليس في منأًى من الهَفوة، وليس في معزلٍ عن الوقوع في الذنب؛ وعن أنس - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "كل بني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون". أخرجه أحمد. وكم من مُذنبٍ طالَ أرَقُه، واشتدَّ قلقُه، وعظُمَ كمَدُه، واكتوَى كبِدُه، يلفُّه قتارُ المعصية، وتعتصِرُه كآبةُ الخطيئة، يتلمَّسُ نسيمَ رجاء، ويبحثُ عن إشراقة أمل، ويتطلَّعُ إلى صُبحٍ قريب، يُشرِقُ بنور التوبة والاستقامة والهداية والإنابة، ليذهب معها اليأسُ والقنوط، وتنجلِيَ بها سحائبُ التعاسة والخوف والهلَع، والتشرُّد والضياعُ. وإن الشعور بوطأة الخطيئة، والإحساس بألم الجريرة، والتوجُّع للعثرة، والندم على سالف المعصية، والتأسُّف على التفريط، والاعتراف بالذنب، هو سبيل التصحيح والمُراجعة، وطريقُ العودة والأَوبة، وأما ركن التوبة الأعظم، وشرطُها المُقدَّم، فهو الإقلاعُ عن المعصية، والنُّزوع عن الخطيئة، ولا توبة إلا بفعل المأمور، واجتناب المحظور، فسارعوا رحمكم الله إلى باب التوبة والإنابة، وتخلَّصوا من كل غَدرة، وأقلِعوا عن كل فَجرة، (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31].

عباد الله : التوبةُ خضوعٌ وانكسار، وتذلُّل واستغفار، واستقالةٌ واعتذار، وابتعادٌ عن دواعي المعصية، ونوازع الشر، ومجالس الفتنة، وسُبل الفساد، وأصحاب السوء، وقرناء الهوى، ومُثيرات الشر في النفوس. التوبةُ صفحةٌ بيضاء، وصفاءٌ ونقاء، وخوفٌ وحياء، ودعاءٌ ونداء، وخشيةٌ وبكاء، وخجلٌ ووَجَل، ورجوعٌ ونُزوع، وإنابةٌ وتدارُك، بابُها مفتوح، وخيرُها ممنوح، ما لم تُغرغِر الروح؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تُبتم لتاب الله عليكم". أخرجه ابن ماجه. وعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "قال الله تعالى: يا عبادي: إنكم تُخطِئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم". أخرجه مسلم. وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالي، يا ابن آدم: لو بلغَت ذنوبُك عنانَ السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك، يا ابن آدم: إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتَني لا تُشرِك بي شيئًا لأتيتُك بقُرابها مغفرة". أخرجه الترمذي. وعند مسلمٍ: "من تقرَّب مني شِبرًا تقرَّبتُ منه ذِراعًا، ومن تقرَّبَ مني ذِراعًا تقرَّبتُ منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة، ومن لقيَني بقُراب الأرض خطيئةً لا يُشرِك بي شيئًا لقيتُه بمثلها مغفرة". يا له من فضلٍ عظيم، وعطاءٍ جسيمٍ من ربٍّ كريمٍ وخالقٍ رحيم، أكرمنا بعفوه، وغشّانا بحلمه ومغفرته، وجلَّلنا بسِتره، وفتح لنا باب توبته، يعفو ويصفح، ويتلطَّفُ ويسمح، وبتوبة عبده يفرَح، يبسُط يدَه بالليل ليتوب مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل، حتى تطلُع الشمسُ من مغربها، غافرِ الذنب، وقابلِ التوب، يقبلُ التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 110].

أيها المسلمون: هذه التوبة قد شُرِعت أبوابها، وحلَّ زمانُها، ونزل أوانُها؛ فاقطعوا حبائل التسويف، وهُبُّوا من نومة الرَّدَى، وأفيقوا من رقدة الهوى، وامحوا سوابق العصيان بلواحق الإحسان، إلى من يلجأ المُذنِبون؟! وعلى من يُعوِّلُ المُقصِّرون؟! وإلى أي مهربٍ يهربون؟! والمرجعُ اليه يوم المعاد،  (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) [الفجر: 23، 24]. فأقبِلوا على الله بتوبةٍ نصوح، وإنابةٍ صادقة، وإرادةٍ جازمة، وقلوبٍ مُنكسِرة، والتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له. نسأل الله - تعالى- أن يغفر لنا ذنوبنا كلها، وأن يتجاوز عن زلاتنا، وأن يقبل توبتنا واستغفارنا، وأن يغفر لأحيائنا وأمواتنا، ونسأله - تعالى- أن يوفقنا جميعًا لطاعته وطاعة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم

 هذا وصلوا وسلموا على من أمرَكم الله بالصلاة والسلام عليه فقال - عزَّ مِن قائِلٍ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].وقال صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» (رواه النسائي وصححه الألباني)  اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وارضَ اللهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلِيّ، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم اذل الكفرة والملحدين ، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين، اللهم ادفع عنا الغلاء والوبأ ،والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ومن درك الشقاء، وسوء القضاء وشماتة الأعداء، اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم إنا نسألك الجنة، وما قرَّب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل. اللهم أَحْسِنْ عاقبتَنا في الأمور كلها، وأَجِرْنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة،.  اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من الهالكين ، الله سقيا رحمه لا سقيا عذاب .. ربنا تقبَّل توبتَنا، واغسل حوبتَنا، وأَجِبْ دعوتَنا، وثبِّت حُجَّتَنا، وَاهْدِ قلوبَنا، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، عباد الله ان الله يأمركم بثلاث وينهاكم عن ثلاث (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ النحل:(90) فاذكروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنَعون


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة